محمد راتب النابلسي

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا*وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[ سورة الشمس الآيات :1-10]

 نقف وقفة متأنية عند كلمة:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *َأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

 هذه النفس الإنسانية هي النفس الأولى عند الله عز وجل، لأن الله عز وجل حينما قال:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 73 ]

 كان الإنسان بهذا القبول وهذا الحمل المخلوق الأول عند الله عز وجل، فلذلك سخر الله عز وجل له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، هذا الإنسان هو المخلوق الأول، فطره فطرة رائعة، جبله أو فطره أو بتعبير معاصر برمجه على نمط عجيب، أن هذا الإنسان إذا أخطأ، أو ارتكب خطأً، يكشف خطأه بذاته، وهذا ما يسمى بالفطرة، فطرته سليمة تتوافق مع منهج الله توافقاً عجيباً، توافقاً تاماً، فالنفس حينما تنحرف عن منهج الله عن وعي أو عن غير وعي، عن إرادة أو عن غير إرادة، هذا الانحراف تكشفه هي بذاته:

(( وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))

[مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ]

 مرة سمعت أن فندقاً في ألمانيا كتب على السرير: إذا لم تنم هذه الليلة فالعلة ليست في فراشنا إنها وثيرة ولكن العلة في ذنوبك إنها كثيرة.

الإنسان حينما يصطلح مع الله يشعر بسعادة لا توصف :

هذا الإنسان مبرمج، أو مفطور، أو مجبول، على أنه يكتشف خطأه بذاته، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس الآيات : 7-8]

 الإنسان حينما يطيع ربه، وحينما يصطلح معه، وحينما يطبق منهجه تطبيقاً دقيقاً، وحينما لا يبني مجده على أنقاض الآخرين، ولا يبني حياته على موتهم، ولا غناه على فقرهم، حينما يستقيم على أمر الله، يصطلح مع نفسه، يجد نفسه، يشعر بسعادة لا توصف:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية : 20 ]

 ما معنى

﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

 ؟ أنت الآن في مأمن من الخوف من المستقبل،

﴿ أَلَّا تَخَافُوا ﴾

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 51 ]

 وألا تحزن على الماضي، ما مضى فات والمؤمل غيب، الغيب لا تملكه، ولك الساعة التي أنت فيها، فلذلك هذا الإنسان حينما يصطلح مع الله يشعر بسعادة لا توصف:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية : 20 ]

المصدر : فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسى