تذكر السورة أن فلاح الإنسان - و هو يعرف التقوى و الفجور بتعريف إلهي و إلهام باطني - أن يزكي نفسه و ينميها إنماء صالحا بتحليتها بالتقوى و تطهيرها من الفجور، و الخيبة و الحرمان من السعادة لمن يدسيها، و يستشهد لذلك بما جرى على ثمود من عذاب الاستئصال لما كذبوا رسولهم صالحا و عقروا الناقة، و في ذلك تعريض لأهل مكة، و السورة مكية بشهادة من سياقها.

قوله تعالى: «و الشمس و ضحاها» في المفردات،: الضحى انبساط الشمس و امتداد النهار و سمي الوقت به انتهى.

و الضمير للشمس، و في الآية إقسام بالشمس و انبساط ضوئها على الأرض.

قوله تعالى: «و القمر إذا تلاها» عطف على الشمس و الضمير لها و إقسام بالقمر حال كونه تاليا للشمس، و المراد بتلوه لها إن كان كسبه النور منها فالحال حال دائمة و إن كان طلوعه بعد غروبها فالإقسام به من حال كونه هلالا إلى حال تبدره.

قوله تعالى: «و النهار إذا جلاها» التجلية الإظهار و الإبراز، و ضمير التأنيث للأرض، و المعنى و أقسم بالنهار إذا أظهر الأرض للأبصار.

و قيل: ضمير الفاعل في «جلاها» للنهار و ضمير المفعول للشمس، و المراد الإقسام بحال إظهار النهار للشمس فإنها تنجلي و تظهر إذا انبسط النهار، و فيه أنه لا يلائم ما تقدمه فإن الشمس هي المظهرة للنهار دون العكس.

و قيل: الضمير المؤنث للدنيا، و قيل: للظلمة، و قيل: ضمير الفاعل لله تعالى و ضمير المفعول للشمس، و المعنى و أقسم بالنهار إذا أظهر الله الشمس، و هي وجوه بعيدة.

قوله تعالى: «و الليل إذا يغشاها» أي يغطي الأرض، فالضمير للأرض كما في «جلاها» و قيل: للشمس و هو بعيد فالليل لا يغطي الشمس و إنما يغطي الأرض و ما عليها.

و التعبير عن غشيان الليل الأرض بالمضارع بخلاف تجلية النهار لها حيث قيل: «و النهار إذا جلاها و الليل إذا يغشاها» للدلالة على الحال ليكون فيه إيماء إلى غشيان الفجور الأرض في الزمن الحاضر الذي هو أوائل ظهور الدعوة الإسلامية لما تقدم أن بين هذه الأقسام و بين المقسم بها نوع اتصال و ارتباط، هذا مضافا إلى رعاية الفواصل.

قوله تعالى: «و السماء و ما بناها و الأرض و ما طحاها» طحو الأرض و دحوها بسطها، و «ما» في «و ما بناها» و «ما طحاها»موصولة، و الذي بناها و طحاها هو الله تعالى و التعبير عنه تعالى بما دون من لإيثار الإبهام المفيد للتفخيم و التعجيب فالمعنى و أقسم بالسماء و الشيء القوي العجيب الذي بناها و أقسم بالأرض و الشيء القوي العجيب الذي بسطها.

و قيل: ما مصدرية و المعنى و أقسم بالسماء و بنائها و الأرض و طحوها، و السياق - و فيه قوله: «و نفس و ما سواها فألهمها» إلخ - لا يساعده.

قوله تعالى: «و نفس و ما سواها» أي و أقسم بنفس و الشيء ذي القدرة و العلم و الحكمة الذي سواها و رتب خلقتها و نظم أعضاءها و عدل بين قواها.

و تنكير «نفس» قيل: للتنكير، و قيل: للتفخيم و لا يبعد أن يكون التنكير للإشارة إلى أن لها وصفا و أن لها نبأ.

و المراد بالنفس النفس الإنسانية مطلقا و قيل: المراد بها نفس آدم (عليه السلام) و لا يلائمه السياق و خاصة قوله: «قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها» إلا بالاستخدام على أنه لا موجب للتخصيص.

قوله تعالى: «فألهمها فجورها و تقواها» الفجور - على ما ذكره الراغب - شق ستر الديانة فالنهي الإلهي عن فعل أو عن ترك حجاب مضروب دونه حائل بين الإنسان و بينه و اقتراف المنهي عنه شق للستر و خرق للحجاب.

و التقوى - على ما ذكره الراغب - جعل النفس في وقاية مما يخاف، و المراد بها بقرينة المقابلة في الآية بينها و بين الفجور التجنب عن الفجور و التحرز عن المنافي و قد فسرت في الرواية بأنها الورع عن محارم الله.

و الإلهام الإلقاء في الروع و هو إفاضته تعالى الصور العملية من تصور أو تصديق على النفس.

و تعليق الإلهام على عنواني فجور النفس و تقواها للدلالة على أن المراد تعريفه تعالى للإنسان صفة فعله من تقوى أو فجور وراء تعريفه متن الفعل بعنوانه الأولي المشترك بين التقوى و الفجور كأكل المال مثلا المشترك بين أكل مال اليتيم الذي هو فجور و بين أكل مال نفسه الذي هو من التقوى، و المباشرة المشتركة بين الزنا و هو فجور و النكاح و هو من التقوى و بالجملة المراد أنه تعالى عرف الإنسان كون ما يأتي به من فعل فجورا أو تقوى و ميز له ما هو تقوى مما هو فجور.

و تفريع الإلهام على التسوية في قوله: «و ما سواها فألهمها» إلخ للإشارة إلى أن إلهام الفجور و التقوى و هو العقل العملي من تكميل تسوية النفس فهو من نعوت خلقتها كما قال تعالى: «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم»: الروم: 30.

و إضافة الفجور و التقوى إلى ضمير النفس للإشارة إلى أن المراد بالفجور و التقوى الملهمين الفجور و التقوى المختصين بهذه النفس المذكورة و هي النفس الإنسانية و نفوس الجن على ما يظهر من الكتاب العزيز من كونهم مكلفين بالإيمان و العمل الصالح.

قوله تعالى: «قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها» الفلاح هو الظفر بالمطلوب و إدراك البغية، و الخيبة خلافه، و الزكاة نمو النبات نموا صالحا ذا بركة و التزكية إنماؤه كذلك، و التدسي - و هو من الدس بقلب إحدى السينين ياء - إدخال الشيء في الشيء بضرب من الإخفاء، و المراد بها بقرينة مقابله التزكية: الإنماء على غير ما يقتضيه طبعها و ركبت عليه نفسها.

و الآية أعني قوله: «قد أفلح» إلخ جواب القسم، و قوله: «و قد خاب» إلخ معطوف عليه.

و التعبير بالتزكية و التدسي عن إصلاح النفس و إفسادها مبتن على ما يدل عليه قوله: «فألهمها فجورها و تقواها» على أن من كمال النفس الإنسانية أنها ملهمة مميزة - بحسب فطرتها - للفجور من التقوى أي إن الدين و هو الإسلام لله فيما يريده فطري للنفس فتحلية النفس بالتقوى تزكية و إنماء صالح و تزويد لها بما يمدها في بقائها قال تعالى: «و تزودوا فإن خير الزاد التقوى و اتقون يا أولي الألباب»: البقرة: 197 و أمرها في الفجور على خلاف التقوى.

قوله تعالى: «كذبت ثمود بطغواها» الطغوى مصدر كالطغيان، و الباء للسببية.

و الآية و ما يتلوها إلى آخر السورة استشهاد و تقرير لما تقدم من قوله «قد أفلح من زكاها» إلخ.

قوله تعالى: «إذ انبعث أشقاها» ظرف لقوله: «كذبت» أو لقوله: «بطغواها» و المراد بأشقى ثمود هو الذي عقر الناقة و اسمه على ما في الروايات قدار بن سالف و قد كان انبعاثه ببعث القوم كما تدل عليه الآيات التالية بما فيها من ضمائر الجمع.

قوله تعالى: «فقال لهم رسول الله ناقة الله و سقياها» المراد برسول الله صالح (عليه السلام) نبي ثمود، و قوله: «ناقة الله» منصوب على التحذير، و قوله: «و سقياها» معطوف عليه.

 

و المعنى فقال لهم صالح برسالة من الله: احذروا ناقة الله و سقياها و لا تتعرضوا لها بقتلها أو منعها عن نوبتها في شرب الماء، و قد فصل الله القصة في سورة هود و غيرها.

قوله تعالى: «فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها» العقر إصابة أصل الشيء و يطلق على نحر البعير و القتل، و الدمدمة على الشيء الإطباق عليه يقال: دمدم عليه القبر أي أطبقه عليه و المراد شمولهم بعذاب يقطع دابرهم و يمحو أثرهم بسبب ذنبهم.

و قوله: «فسواها» الظاهر أن الضمير لثمود باعتبار أنهم قبيلة أي فسواها بالأرض أو هو تسوية الأرض بمعنى تسطيحها و إعفاء ما فيها من ارتفاع و انخفاض.

و قيل: الضمير للدمدمة المفهومة من قوله: «فدمدم» و المعنى فسوى الدمدمة بينهم فلم يفلت منهم قوي و لا ضعيف و لا كبير و لا صغير.

قوله تعالى: «و لا يخاف عقباها» الضمير للدمدمة أو التسوية، و الواو للاستئناف أو الحال.

و المعنى: و لا يخاف ربهم عاقبة الدمدمة عليهم و تسويتهم كما يخاف الملوك و الأقوياء عاقبة عقاب أعدائهم و تبعته، لأن عواقب الأمور هي ما يريده و على وفق ما يأذن فيه فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى: «لا يسأل عما يفعل و هم يسألون»: الأنبياء: 23.

و قيل: ضمير «لا يخاف» للأشقى، و المعنى و لا يخاف عاقر الناقة عقبى ما صنع بها.

و قيل: ضمير «لا يخاف» لصالح و ضمير «عقباها» للدمدمة و المعنى و لا يخاف صالح عقبى الدمدمة عليهم لثقته بالنجاة و ضعف الوجهين ظاهر.

 

بحث روائي

 

في تفسير القمي،: في قوله تعالى: «و نفس و ما سواها» قال: خلقها و صورها.

و في المجمع، و روى زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: «فألهمها فجورها و تقواها» قال: بين لها ما يأتي و ما يترك، و في قوله تعالى: «قد أفلح من زكاها» قال: قد أفلح من أطاع «و قد خاب من دساها» قال: قد خاب من عصى.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد و مسلم و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه عن عمران بن حصين أن رجلا قال: يا رسول الله أ رأيت ما يعمل الناس اليوم و يكدحون فيه شيء قد قضي عليهم و مضى عليهم في قدر قد سبق؟ أو فيما يستقبلون به نبيهم و اتخذت عليهم به الحجة؟ قال: بل شيء قضي عليهم. قال: فلم يعملون إذا؟ قال: من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين هيأه لعملها و تصديق ذلك في كتاب الله «و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها».

أقول: قوله: أو فيما يستقبلون إلخ الظاهر أن الهمزة فيه للاستفهام و الواو للعطف و المعنى و هل في طاعتهم لنبيهم قضاء من الله و قدر قد سبق؟ و قوله: فلم يعملون إذا، أي فما معنى عملهم و استناد الفعل إليهم؟.

و قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كان الله إلخ معناه أن وجوب صدور الفعل حسنة أو سيئة منهم بالنظر إلى القضاء و القدر السابقين لا ينافي إمكان صدوره بالنظر إلى الإنسان و اختياره، و قد اتضح ذلك في الأبحاث السابقة من الكتاب مرارا.

و فيه، أخرج ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه و الديلمي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «قد أفلح من زكاها» الآية أفلحت نفس زكاها الله و خابت نفس خيبها الله من كل خير.

أقول: انتساب التزكية و التخييب إليه تعالى بوجه لا ينافي انتسابهما بالطاعة و المعصية إلى الإنسان.

و إنما ينتسب إلى الله سبحانه من الإضلال ما كان على طريق المجازاة كما قال: «و ما يضل به إلا الفاسقين»: البقرة: 26.

و في المجمع، و قد صحت الرواية بالإسناد عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي بن أبي طالب: من أشقى الأولين؟ قال: عاقر الناقة. قال: صدقت فمن أشقى الآخرين؟ قال: قلت: لا أعلم يا رسول الله. قال: الذي يضربك على هذه فأشار إلى يافوخة:. أقول: و روي فيه هذا المعنى أيضا عن عمار بن ياسر.

و في تفسير البرهان،: و روى الثعلبي و الواحدي بإسنادهما عن عمار و عن عثمان بن صهيب و عن الضحاك و روى ابن مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة و عن عمار و عن ابن عدي أو عن الضحاك و روى الخطيب في التاريخ، عن جابر بن سمرة و روى الطبري و الموصلي و روى أحمد عن الضحاك عن عمار أنه قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي أشقى الأولين عاقر الناقة و أشقى الآخرين قاتلك، و في رواية من يخضب هذه من هذا.

نقلا عن http://www.holyquran.net/